جريمة الغش و التحيل التجاري

تُعدّ جرائم الغشّ والتحيّل التجاري من أخطر الجرائم الاقتصادية التي تمسّ بحقوق المستهلك وبسلامة المعاملات التجارية داخل المجتمع، لذلك حرص المشرّع التونسي على تنظيمها وسنّ عقوبات صارمة ضدّ كلّ من يتعمّد خداع المستهلك أو تحقيق أرباح غير مشروعة بطرق غير قانونية. وتهدف هذه القوانين إلى حماية المستهلك، وضمان المنافسة الشريفة بين التجّار، والمحافظة على الثقة في السوق والاقتصاد الوطني.

ويقصد بالغشّ التجاري كلّ عمل أو تصرّف يؤدي إلى تضليل المستهلك أو إخفاء الحقيقة عنه بخصوص المنتوج أو الخدمة المعروضة للبيع. ومن أبرز صور الغشّ التجاري بيع مواد غذائية فاسدة أو منتهية الصلوحية، أو تغيير تاريخ الصلوحية، أو خلط المواد الأصلية بمواد أقلّ جودة، أو تقليد العلامات التجارية، أو التلاعب في الوزن والكيل والأسعار، أو الإعلان الكاذب عن خصائص المنتوج. كما يمكن أن يشمل الغشّ استعمال مواد مضرة بالصحة أو غير مطابقة للمواصفات القانونية.

أمّا التحيّل التجاري فهو استعمال وسائل احتيالية وخادعة بقصد الحصول على منفعة مادية بغير وجه حقّ، مثل تقديم معلومات كاذبة للمستهلك، أو إخفاء العيوب الحقيقية للسلع، أو استعمال وثائق وفواتير مزيفة، أو القيام بعمليات بيع وهمية أو عروض مضللة لجذب الحرفاء. ويُعتبر التحيّل التجاري جريمة يعاقب عليها القانون لأنّها تقوم على سوء النية واستغلال ثقة المستهلك.

وقد نظّم القانون التونسي هذه الجرائم ضمن عدّة نصوص قانونية أهمّها القانون عدد 117 لسنة 1992 المتعلّق بحماية المستهلك، إضافة إلى مجلة التجارة والقوانين الخاصة بالمنافسة والأسعار والزجر الاقتصادي. وقد منح القانون أعوان المراقبة الاقتصادية والصحية صلاحيات واسعة لمراقبة الأسواق والمحلات التجارية والمخازن، وحجز السلع المخالفة، وتحرير محاضر ضدّ المخالفين.

وتختلف العقوبات حسب خطورة الجريمة وطبيعة الضرر الناتج عنها، حيث يمكن أن تتمثّل في خطايا مالية هامة، أو حجز وإتلاف البضائع المغشوشة، أو الغلق الوقتي أو النهائي للمحلّ التجاري، كما قد تصل العقوبات إلى السجن خاصّة إذا تعلّق الأمر بمواد غذائية أو أدوية أو منتجات تشكّل خطرًا على صحة المستهلك. وتشتدّ العقوبة في حالة العود أو إذا نتج عن الغشّ أضرار جسدية أو صحية خطيرة.

ويُعتبر المستهلك طرفًا أساسيًا في مكافحة الغشّ والتحيّل التجاري، إذ يحقّ له التبليغ عن المخالفات لدى مصالح وزارة التجارة أو لدى السلطات الأمنية والقضائية، كما يمكنه المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به نتيجة هذه الممارسات غير القانونية. وتلعب جمعيات حماية المستهلك أيضًا دورًا مهمًا في التوعية والتحسيس ومراقبة التجاوزات داخل الأسواق.

إنّ مكافحة الغشّ والتحيّل التجاري لا تقتصر فقط على تطبيق العقوبات، بل تقوم كذلك على نشر ثقافة الاستهلاك الواعي واحترام أخلاقيات التجارة، لأنّ التاجر الصادق يساهم في بناء اقتصاد سليم ومجتمع قائم على الثقة والشفافية، في حين أنّ الغشّ والتحيّل يؤديان إلى فقدان الثقة وانتشار الفساد والإضرار بصحة المواطن والاقتصاد الوطني.

Abonnez-vous à notre newsletter