يثير المرسوم عدد 54 لسنة 2018 للجدل في تونس، وقد صدر في 11 سبتمبر 2018، ويعرف باسم مرسوم “مكافحة الجريمة الإلكترونية” أو “مرسوميثير الرقابة على الإنترنت”.
السياق التاريخي
صدر المرسوم في فترة حكم الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، وذلك في إطار قوانين الطوارئ بعد سلسلة هجمات إرهابية في تونس. تم تمريره بصفته مرسومًا بقانون (أمر رئاسي له قوة القانون) دون مناقشة برلمانية كاملة، مما أثار انتقادات واسعة من منظمات حقوقية ومجتمع مدني.
أبرز مواد المرسوم وأهم المضامين
1. الرقابة والجرائم المتعلقة بالمحتوى (المادة 24):
· تجرم نشر “الأخبار الزائفة” أو “المعلومات الكاذبة” عبر وسائل الاتصال الإلكترونية بهدف الإضرار بالمصلحة العامة أو الإخلال بالأمن العام.
· الانتقاد: تُعتبر مصطلحات “الأخبار الزائفة” و”المصلحة العامة” غامضة وقابلة للتأويل، مما يفتح الباب أمام السلطات لتوجيه الاتهامات للناشطين والمدونين والصحفيين لتقييد حرية التعبير.
2. رقابة على التشفير والخصوصية (المادتان 9 و 87):
· تمنح السلطات صلاحيات واسعة للوصول إلى بيانات المستخدمين من مزودي خدمات الإنترنت دون رقابة قضائية قوية في بعض الحالات.
· تجبر المنصات على فك تشفير البيانات عند طلب السلطات، مما يقوض خصوصية الاتصالات.
3. عقوبات قاسية:
· تصل عقوبة نشر “الأخبار الزائفة” (بحسب التفسير الرسمي) إلى السجن 5 سنوات وغرامة مالية كبيرة (100,000 دينار تونسي).
· قد تصل عقوبة انتهاك حرمة الحياة الخاصة إلى السجن 10 سنوات.
4. مسؤولية المواقع والمضيفين (المادة 86):
· تفرض على مزودي الخدمة ومواقع التواصل الاجتماعي الاحتفاظ ببيانات المستخدمين لفترة طويلة وتسليمها للسلطات عند الطلب، مما يزيد من تكاليف التشغيل ويهدد خصوصية المستخدمين.
الجدل والانتقادات
1. تهديد حرية التعبير: يعتبره المنتقدون أداة قد تُستخدم لقمع المعارضة والنقد السياسي تحت ذريعة مكافحة “الأخبار الزائفة” و”الإرهاب”.
2. عدم الوضوح: غموض مصطلحات مثل “المصلحة العامة” و”الأمن العام” يمنح السلطة القضائية صلاحيات تقديرية واسعة قد تسيء استخدامها.
3. انتهاك الخصوصية: يمنح المرسوم سلطات مراقبة واسعة على بيانات المواطنين دون ضمانات كافية لحماية الخصوصية.
4. إجراءات غير ديمقراطية: تم إقراره بسرعة دون تشاور واسع مع المجتمع المدني والخبراء في مجال الحقوق الرقمية.
الدفاع عن المرسوم (وجهة النظر الرسمية)
يدافع المؤيدون والحكومة التونسية آنذاك عن المرسوم بأنه:
· ضرورة أمنية لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة عبر الإنترنت.
· وسيلة لمحاربة خطاب الكراهية ونشر الشائعات التي تهدد الاستقرار الاجتماعي.
· يتوافق مع المعايير الدولية لمكافحة الجريمة الإلكترونية.
التطورات اللاحقة
· واجه المرسوم معارضة قوية ودعوات متكررة لإلغائه أو تعديله.
· في عام 2022، أصدر الرئيس قيس سعيد مرسومًا رئاسيًا (رقم 2022-35) يتعلق بالجرائم الإلكترونية، لكنه احتفظ بمواد مشابهة لمرسوم 54، مما أبقى الجدل قائمًا.
· لا يزال المرسوم (أو نصوصه الرئيسية ضمن تشريعات لاحقة) ساري المفعول حتى اليوم، ويتم استخدامه في بعض القضايا القضائية التي تتهم أفرادًا بنشر “أخبار كاذبة”، مما يجعله مصدر قلق دائم لمنظمات الدفاع عن الحريات.
الخلاصة
مرسوم 54 يمثل نقطة توتر مركزية في تونس بين:
· مقتضيات الأمن الوطني ومكافحة الإرهاب.
· حماية الحريات الفردية وحرية التعبير والخصوصية الرقمية.
هو نموذج للصراع الذي تواجهه العديد من الديمقراطيات الناشئة في موازنة الأمن والحرية في العصر الرقمي.

